السبت، 20 سبتمبر 2008

في مناهج التربية الوطنية: لا مكان لليوم الوطني

لكل دولة من دول العالم يوم مهم غاية الأهمية نتج عنه تكوين خريطتها الجغرافية والسياسية والاقتصادية بل والاجتماعية أيضاً ولهذا اليوم اسم خاص به, وقد يختلف اسمه من دولة لأخرى باختلاف الطريقة التي أدت إلى وجودها, وتحتفل بذكراه كل عام على المستوى الحكومي والشعبي, إضافة إلى كل ذلك؛ فإنه مؤسساتها التعليمية ترسخ قيمة هذا اليوم جنباً إلى جنب مع القيم الوطنية الأخرى من خلال مناهجها التعليمية.
إنه اليوم الوطني.أما الدولة السعودية أعزها الله فلا تختلف عن دول العالم في هذا المجال, إلا في الجزئية ما قبل الأخيرة من المقدمة السابقة وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً. فاليوم المهم في تاريخنا كسعوديين دولة وشعباً؛ هو اليوم الذي أعلن فيه عن توحيد هذه البلاد المباركة تحت مسمى ” المملكة العربية السعودية” وكان في 23 سبتمبر / أيلول عام 1932م والذي يوافق الأول من برج الميزان, واعتمد هذا اليوم يوماً وطنياً يستحق أن تخلد ذكراه ويحتفل بمروره كل عام, حيث تم فيه التحول من الحقبة الساخنة القاحلة التي دارت فيها رحى معارك الملك الموحد, إلى الحقبة الربيعية الباردة التي دارت فيها عجلة التنمية والازدهار؛ ومن حقبة الظلام والجهل والتخلف والتناحر، إلى حقبة النور والعلم والتقدم والتآلف.
ولما لهذا اليوم من أهمية بالغة فلقد كان ولا يزال من المفترض أن ترسخ قيمته مناهجنا التعليمية كلها, وعلى الوجه الأخص مناهج التربية الوطنية لكونها قررت لهدف تنشئة الطلاب تنشئة وطنية صحيحة تغرس فيهم قيم الانتماء والولاء لهذا الوطن المعطاء.لا سيما أن قرار تدريسها أتخذ بعد الأحداث الأمنية التي تعرضت لها المملكة على أيدي بعض أبنائها الذين تنكروا لها وطعنوها في خاصرتها بأبشع صور الخيانة, وكان أحد أسباب هذا التنكر خلل وقصور في السياسة التعليمة التي أغفلت أهمية مثل هذا المنهج ليس إلا لأن هناك من أجتهد اجتهاداً لم يوفق وأفتى بحرمة الاحتفال بهذا اليوم معتقداً أن الولاء للوطن يذيب الولاء للعقيدة.
ولمعالجة هذا الخلل بدأت وزارة التربية والتعليم( وزارة المعارف آنذاك) في تدريس مادة التربية الوطنية في مطلع العام الدراسي 1417 / 1418 هـ في مراحل التعليم العام بعد غياب دام أربعة وسبعين عاماً - عدا عام 1405 هـ في نظام التعليم المطور الذي ألغي في 1411هـ - إلا أنه وبعد أن أعيد تدريسها وفي الوقت الذي أحوج ما نكون فيه إلى تكريس قيمة هذا اليوم الوطني أولاً, وصدور تعليمات عليا بذلك ثانياً؛ نجد أن مناهج التربية الوطنية وللأسف أغفلته تماماً ولم تتطرق إليه أبداً ولو حتى إشارة بدءا من منهج الصف الرابع الابتدائي وانتهاء بمنهج الصف الثالث الثانوي وأقل ما يقال عن هذا التغافل أنه تجهيل للطالب, ويكفيك أخي القارئ لكي تعرف ذلك أن تتصفح تلك المقررات حيث لا تجد على صفحاتها مكاناً لليوم الوطني.ولا أقصد من ذلك أنها أغفلت كل القيم الوطنية؛ ولكنها أغفلت موضوعاً مهما نحتفل بذكراه كل عام.
وفي نفس الوقت - ويبدو لأننا في زمن العجائب والغرائب - أوردت مناهج التربية الوطنية مواضيعاً ليس لها علاقة بشكل مباشر بالوطنية! كما - على سبيل المثال لا الحصر - في موضوعي ” العادات الصحية السلمية” الصفحة الثالثة والخمسون من مقرر الصف الأول المتوسط الطبعة 1428/1429 هـ و ” تقنيات الاتصال” نفس الكتاب الصفحة السادسة والستون, وقد تكررا هذان الموضوعان في مقرر الصف الأول الثانوي والثالث الثانوي, وعلى شاكلتهما غيرهما كثير. ولولا خشية الإطالة لفصلت البقية.وفي رأيي لو وضع مكانهما مواضيع أهم مثل: ” اليوم الوطني ” أو “احترام العلم السعودي” أو ” دور المواطن في مكافحة الإرهاب” لكان أفضل أو على الأقل لو صيغا بشكل يحقق أهداف التربية الوطنية, لكون الإنترنت من وسائل الاتصال التي استخدمت في السنوات الأخيرة من قبل بعض أتباع القاعدة للتغرير بصغار السن وضعيفي العقول بدعاوي مضللة لجرهم إلى مناطق الصراع, أو لتأليبهم على ولاة الأمر بذات الطريقة. لكن ما ورد في الكتاب كان يغلب عليه الجانب المعرفي لا السلوكي (تعريف شبكة الإنترنت, تاريخها, الخدمات التي تقدمها وطريقة استخدامه) فقط لا أكثر. وكونه ورد بهذه الصيغة فمكانه الصحيح مقرر الحاسب الآلي لا غيره.بالرغم من أن تخصصي كيمياء إلا أنني أعطيت دروساً في الوطنية لكل من المرحلتين المتوسطة والثانوية, وأعرف ما طبع على صفحاتها تماماً واحتفظ بنسخ من أول المقررات التي درستها ومنها كتاب التربية الوطنية للصف الثاني الثانوي طبعة 1420هـ وعندما تقارنه أخي القارئ بطبعة 1429 هـ تجده نفسه, لدرجة أنك تأخذ أحدهما وتحسبه الآخر إذا لم تنظر في تاريخ طباعته, والتطوير الذي حصل لا يتجاوز الشكل أما المضمون فنفسه.
وقد أجريت عدد من البحوث والدراسات المحلية حول المناهج موضوعنا؛ منها دراسة الريس (1421هـ) ودراسة العجاجي (1422هـ) ودراسة المعيقل ( 1425هـ) وآخرها دراسة بعنوان ” التربية الوطنية في مدارس المملكة العربية السعودية؛ دراسة تحليلية مقارنة في ضوء التوجهات التربوية الحديثة” قدمها كل من الدكتور راشد العبدكريم والدكتور صالح النصار للقاء السنوي لقادة العمل التربوي عام 1426هـ وقدما فيها توصيات واقتراحات على مسئولي وزارة التربية والتعليم ولجان تطوير المناهج, وإلى الآن لم أر أي أثر لهذه التوصيات أو غيرها على مناهج التربية الوطنية. وإن سألتني عزيزي القارئ: متى نرى ذلك ؟ أقول: الجواب عند لجان تطوير المناهج؛ وإن سألت أيضاً: هل لفتوى تحريم الاحتفال باليوم الوطني دخل في ذلك؟ أقول: الله أعلم.

الخميس، 26 يونيو 2008

وقفت وعيناك ساهرتان…..تماماً كما يسهر العسكري

وقفت على شارع المعذر………… وقوف الخطيب على المنبر
وقفت وعيناك ساهرتان………….. تماماً كما يسهر العسكري
لا يزال هذان البيتان عالقين في ذاكرتي منذ أن تربعت وزارة الداخلية على شارع المعذر بالرغم من أنني لا أعرف قائلهما حتى كتابة هذه السطور ولكنه حقاً أجاد, فعندما تسلك شارع المعذر تجد أن وزارة الداخلية واقفة أمامك هناك بهيبتها ومنعتها وإذا أردت أن تتأمل القالب الهندسي البديع الذي صبت فيه فستضطر لأن ترفع بصرك قليلاً لترى قلعة أمنية معلقة بين السماء والأرض؛ وكأنها منطاد عظيم رئم النفوذ إلى طبقات الجو العليا. ليس هذا كله وزارة الداخلية فكل ما سبق هو أمر شكلي ولكن توازى مع تميزها هذا؛ تميز في علمها ورسالتها والتي هي بالمقام الأول حفظ الأمن والسهر على راحة المواطن والمقيم.
البارحة تذكرت البيتين السابقين, بعد أن سمعت بيان وزارة الداخلية وغمرتني مشاعر كثيرة متضادة؛ مشاعر فرح ومشاعر حزن, مشاعر تفاؤل ومشاعر تشاؤم. فرحت بالقبض على هؤلاء المجرمين المنحرفين فكرياً وسلوكياً وعقائدياً وحزنت لكون دعاة التكفير والتفجير ما زالوا حولنا يعيثون في الأرض فساداً ويجندون من أبناء هذا الوطن من يطعنه في خاصرته كافراً بكل فضائله عليه. تفاءلت بهذا الإنجاز الأمني العظيم والضربات الاستباقية الموجعة لهؤلاء الخوارج المارقين وتشاءمت لعدم القدرة على استئصال خلايا هذا الوباء السرطاني رغم أن اكتشافها كان مبكراً وقبل ما يقارب الثلاثة عقود.
برأيي أنا – وأرجو أن أكون مخطئاً – أن السبب في عدم القدرة على استئصال هذا الداء هو كون المتصدي حتى وقت قريب هي وزارة الداخلية وحدها بغياب أو ضعف دور الوزارات الأخرى مثل وزارة الشئون الإسلامية ووزارة التربية والتعليم وهاتين الوزارتين دورهما أهم من دور وزارة الداخلية, فدورهما فكري وهو الوسيلة الأشد تأثيراً في القضاء على التفريخ الإرهابي وتناسخ الأفكار المنحرفة, ولكن للأسف فمناهجنا إلى وقت قريب تمجد منظري الفكر الإخواني, وأغلب مساجدنا بخطبائها عندما تتناول موضوع الإرهاب تتناوله على استحياء وسرعان ما يتلاشى هذا التناول بعد زوال الحدث مباشرة, لذلك اضطرت وزارة الداخلية أن تضطلع بالأمنين الجنائي والفكري وهذا ما صعب مهمتها وأثقل كاهلها ولو قامت كل وزارة بالدور المطلوب منها على أكمل وجه لما خرج لنا كل فترة بيان وأتمنى أن يكون ما سمعناه البارحة هو البيان الأخير عن أصحاب الفكر الضال لا يعقبه إلا بيان المحاكمة وتنفيذ حكم الله فيهم.

الاثنين، 24 سبتمبر 2007

تحية إلى وطن خارج الوطن


اليوم الوطني مناسبة عزيزة على كل مواطن مخلص؛ وفيه تفيض المشاعر بالتعبير عن منجزات الوطن وخيراته؛ فصورة الوطن المشرقة هي تلك التي يرسمها أبناؤه له داخل الوطن أو خارجه, وتحت أي صفة كانوا؛ سواء مواطنين عاديين أو مسؤولين؛ بل إن المواطن عندما يكون خارج وطنه فهو بمثابة سفير للوطن؛ وهنا يتضح الفرق بين المواطن والوطني؛ فكل وطني هو مواطن وليس كل مواطن وطنياً، فالوطنية أعلى درجات المواطنة, وللتوضيح أكثر أقول إنه بمجرد انتمائك للوطن فأنت مواطن ولكنك لن تكون وطنياً إلا ببذلك الجهد في كل ما من شأنه رفعة الوطن, والعمل بحماس وتفان في تنميته, والنهوض به, والذود عن حياضه, وعلى من لا يستطيع ذلك أن يفتخر بوطنه وبما فعله الوطنيون من أبناء وطنه وأن يحافظ على مقدراته وهذا أقل ما يمكن تقديمه.
لنعد إلى بداية الموضوع فربما يسأل سائل ويقول: لماذا تبعث بتحيتك في اليوم الوطني إلى خارج الوطن ؟ وهل هناك وطن خارج الوطن ؟ أو ليس في اليوم الوطني تبعث التهاني من الخارج إلى الداخل ؟. إجابة على ما سبق أقول: إنه من حقي كمواطن في هذا اليوم الوطني المجيد أن أحيي من خدم وطنه وأبناء وطنه وهو خارج الوطن؛ وكل سفارة سعودية هي وطن للسعودي خارج الوطن ومثلما نقول للمسيء أسأت يجب أن نقول للمحسن أحسنت, وليس من الإنصاف أن نجرم من أساء إلى الوطن ولا نكرم من أحسن إليه, وأقل مراتب التكريم الثناء.
قبل قرابة الشهرين تقريباً أو أكثر بقليل ذهبت لدولة إندونيسيا الشقيقة حيث تقام فعاليات نهائيات كأس أمم آسيا آنذاك؛ يحدوني الأمل بأن أشارك المنتخب فرحته عندما يحصل على الكأس, ولو استقبلت من الأمر ما استدبرت لما ذهبت؛ وبعد فراغي من إنهاء إجراءات الوصول وحجز الفندق توجهت إلى السفارة السعودية هناك لتسجيل بياناتي لدى قسم الرعايا.
في الحقيقة كنت متردداً في أن ذهب بنفس اليوم الذي وصلت فيه فما كنت أريد أن أضيف على إرهاق السفر وطوله إرهاقاً آخر يتمثل في التعقيد والتأخير اللذين كنت أظنهما ينتظراني هناك فالذاكرة تحمل في طياتها ما لا يسر عن بعض موظفي الإدارات الحكومية ليس أقلها عبوس الوجه, وما هي إلا نصف ساعة حتى وجدت نفسي واقفاً أمام بوابة السفارة المطلة على شارع أم تي هاريونو في شاوانق جاكرتا. أقفلت الهاتف المحمول وخلعت الساعة وكل ما يمت إلى المعادن بصلة ووضعت كل ذلك في حقيبة السفر ودخلت عبر الممر الذي انتهى بي إلى جهاز كشف المعادن ثم مدققي الهويات حيث بادروني بعبارة الحمد لله على سلامة السفر قبل أن يدققوا هويتي, بعد ذلك أرشدوني إلى قسم الرعايا؛ هناك رأيت أحد الموظفين يعبر الصالة المقابلة للقسم وما إن رآني حتى أقبل نحوي مرحباً ومحيياً وأخذ بيدي إلى مكتبه وأجلسني وكأني صديق حميم يسألني عن أحوالي ويتمنى لي الإقامة الطيبة. الأمر هذا جعلني أتأكد وبشكل سريع من جواز سفري؛ ظننت أن خطأ ما أوقع في يدي جواز سفر شخصية مهمة, فمنذ أن ولدت حتى دفنت السنة الثلاثين من عمري لم ألق مثل هذا الاهتمام من موظف حكومي.
كل ما أردت تم إنجازه في زمن قياسي لا يتجاوز العشر دقائق وقبل أن أهم بالخروج ناولني ورقة صغيرة وقال : هذا رقم هاتفي المحمول في حال واجهتك مشكلة أو ظرف طارئ ولم يجبك أحد على هاتف المكتب لا تترد في الاتصال على هذا الرقم. فشكرته وخرجت من عنده وأنا أشعر بارتياح عميق دفعني هذا الشعور لأن أكون فضولياً فسألت أحد العاملين بالقسم عنه وقال لي: هذا الأستاذ فراج نادر رئيس قسم الرعايا!!. فعدت له مرة ثانية وقلت: شكرتك المرة الأولى وأنا لا أعرفك والآن أشكرك بعد أن عرفتك ويحق لي أن أفتخر بك, وقبلي يفتخر بك وطنك والحق أنها أكبر مفاجأة لي كون من استقبلني ورحب بي وأنهى إجراءاتي هو رئيس القسم الذي هو أنت وكان بإمكانك أن ترسلني إلى أحد الموظفين ليقوم بذلك ! فقال لي : واجبنا - من أكبر موظف إلى أصغر موظف - أن نخدم كل سعودي يأتي إلى هذا البلد ونحن سعداء بذلك. فقلت: بل قمت بما يفوق واجبك وأكثر, وودعته وانصرفت ولسان حالي يقول: بمثل هذا يرتقي الوطن.

الخميس، 24 مايو 2007

ولا يزال بعض مناهجنا وراء كثير من تجاوزات الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر

لا شك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة الرسل, ومن أشرف الواجبات الدينية وأعظمها، وهما للمجتمع كالمادة الحافظة للغذاء؛ فبدونهما يصبح عرضة للتعفن, وقد أولت الدولة منذ تأسيسها هذين الواجبين اهتماماً خاصاً وجعلت لهما جهازاً حكومياً مستقلاً وهو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبهذا تتميز عن جميع البلدان الإسلامية؛ علماً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم ومسلمة وليس قصرا على الجهاز الحكومي؛ قال الله تعالى ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) [التوبة:71]. ومن السار جداً أن يربى النشء على الضلوع بهذه المهمة. لكن هناك شروط يجب توافرها في من يقوم بذلك ومنها أن لا يرى نفسه وصياً على الطرف الآخر ومنزه عن الخطأ وألا ينظر له نظرة احتقار ودونية؛ وأن يتم النصح من خلال الكلمة الطيبة والقول اللين والوعظ والإرشاد وبيان الثواب والعقاب والخوف من الله. لكن للأسف هذا الشرط هو الذي لم يطبقه بعض العاملين في الجهاز والمتطوعون معهم؛ فصرنا نقرأ بين الفينة والأخرى تجاوزات لأعضائه كالتدخل في حريات الناس ومضايقتهم والبحث عن أسرارهم, وأحياناً الضرب والقبض على المشتبه به بطريقة هي أقرب ما تكون للاختطاف؛ ولعل ما حدث في كلية اليمامة لهو أكبر دليل على أن هناك خلل ما . فيا ترى ما هي الأسباب ؟ ومن المسئول عن تفشي مثل هذه السلوكيات الغريبة في كثير من المحتسبين ؟ ولماذا لم يحد من سلبياتهم قصر التوظيف في الهيئة على الجامعيين, الذي أعلن في صحفية الوطن يوم الثلاثاء 15 رجب 1425هـ العدد (1432) ؟ وهل سيحد منها إلزام العاملين بوضع بطاقات عملهم على جيوبهم؛ كما صرح بذلك الرئيس العام للهيئة الشيخ إبراهيم الغيث لجريدة الرياض يوم الجمعة 7 ربيع الأخر 1427هـ العدد (13829)؟ الجواب طبعاً لا. لأن الأمرين لا يعدوان كونهما علاجاً للأعراض وليس للأسباب ومتى ما عرفت الأسباب سهل العلاج.
وقبل أن أخوض في أهم الأسباب دعوني أذكر لكم قصة حصلت مؤخراً كانت أحد الدوافع وراء كتابة هذه السطور ولها علاقة وثيقة بالموضوع؛ فبعد أن عاد أحد الأطفال ذات يوم من مدرسته رفض أن يأكل أو يشرب مع أبيه بل أصر على عدم الجلوس معه أيضاً وأنه عندما يكبر ويصبح قوياً سوف يمنعه من التدخين وإلا سيغادر البيت لأنه – والكلام للطفل- لا يريد أن تحل عليه لعنة الله وغضبه واحتج بأن الله لن يستجيب لدعائه بالنجاح إن هو لم يفعل ذلك, وهذا الطفل لم ينطق من تلقاء نفسه وإنما تعلمه في المدرسة ومن احد المناهج الدراسية وبطريقة لا تتلاءم مع عمره وأقرانه من الطلاب والطالبات, وبطرح غامض يحتمل عدة احتمالات ويصعب على تلك الفئة العمرية إدراك مغزاه وهذا هو السبب وراء كثير من التجاوزات, فلنرى ما ورد في المنهج.
في كتاب القراءة العربية للصف الثالث المتوسط الطبعة 1427هـ - 1428هـ وهي أحدث طبعة وزعت. وأول موضوع يدرسه الطلاب في الفصل الدراسي الثاني الصفحة 15 هو موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد اقتصر على حديث واحد فقط تتخلله آية قرآنية كريمة, والحديث كما يلي : ( عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما دخل النقض على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ…الخ الآية)) [المائدة:79].ثم قال كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم)هذا الحديث الذي رواه أبو داوود والترمذي لم يشرح في الكتاب بطريقة توضيحية, خصوصاً وأن الطلاب قد لا يعلمون أن المعاصي ليست على درجة واحدة وأن منها من يستحق مرتكبها الهجر ومنها ما هو أدنى من ذلك وأعلى. ولم يورد الكتاب ولو حديثاً واحداً يحث على الرفق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأسلوب الحسن والكلمة الطيبة !. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم { إن الله يحب الرفق في الأمر كله }؟ وألم يقل صلوات ربي وسلامه عليه { إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه }؟.كما أن الكتاب لم يتطرق إلى جانب لا يقل أهمية عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو جانب ردع الضرر الأكبر فعندما يكون إنكار المنكر سيؤدي إلى منكر أعظم منه أو سيجلب الضرر على النفس أو المال فلا يجوز الإنكار في هذه الحالة. بل الغريب أن الكتاب أمر بالغضب عند إنكار المنكر حيث ورد في المناقشة الصفحة 20 السؤال السابع بالصيغة التالية:*لاحظت أن أختاً لي تتصف بالكذب ( اختيار الإجابة الصحيحة)- أوافقها على هذا النحو- أدعها وشأنها فهو أمر لا يهمني- أوجه لها النصح وأغضب لله تعالى والإجابة الصحيحة واضحة؛ وهي الاختيار الأخير, والغضب يكون عندما تنتهك حرمات الله, وورد في ذلك حديث شريف, ولكن يظل الطالب والذي هو في سن الطفولة ( الصف الثالث المتوسط) لا يدرك معنى الغضب هنا؛ ومتى وكيف يكون؟ وربما يفهمه أنه الصراخ والإرغاء والإزباد واحمرار العينين, أما المعلم فربما يشرح ذلك بطريقة تغذي الغلظة والعنف والتشدد, أو بطريقة ترجح جانب اللين والرفق, فالخيار متروك له وحسب توجه واعتقاده.وفي آخر الموضوع وبالتحديد الصفحة 22 وتحت عنوان آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ذكر الكتاب أن العلم بحقيقة ما يؤمر به أو ينهى عنه من الآداب وهو في الحقيقة شرط لجواز الاضطلاع بهذه المهمة؛ لأن العلم شرط العمل, بل إنه ورد وعيد شديد لمن يأمر وينهى بدون علم قال الله تعالى ( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ).وفي نفس الصفحة وعند الحديث عن التدرج بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذكر الكتاب- والكلام موجه للطالب - أن يبدأ بالوعظ وبذكر أدلة الترغيب والترهيب ثم قال نصاً فإن لم يحصل امتثال يستعمل عبارات التأنيب والتعنيف والإغلاظ في القول؛ فإن لم ينفع ذلك غير المنكر بيده فإن عجز ستظهر عليه بالحكومة أو الإخوان والكلمة الأخيرة تدل وبشكل واضح على مدى التطور الذي وصلت إليه مناهجنا ومدى مواكبتها للعصر ولما نحن عليه الآن! (ولعلكم فهمتم قصدي). ولست بحاجة لأن أقول أن كلمة الإخوان تقع خارج دائرة الزمن. ولا أدري على أي نحو سيفهمها الطالب؟ هل هم زملاؤه في الحارة أم في الشارع ؟ أم المقصود بها جهاز الهيئة؟ وإن كان سبب الإتيان بها الحفاظ على نصية النقل فلماذا لم يوضح ما يقابلها الآن؟ أم أن الأمر متروك للمعلم أيضاً وحسب توجه؛ والحالة هنا أهون من هناك.لن أعود لمناقشة ترغيب الطالب وهو في هذا السن باستخدام طريقة التأنيب والتعنيف والإغلاظ لإنكار المنكر؛ ولكن سوف أركز على مسألة تغيير المنكر باليد وهو الأمر الذي ليس متروكاً لكل شخص, وإلا لحصل تجن ولعمت الفوضى, وإنما يقوم به ولي الأمر, أو من له ولاية من جهة ولي الأمر، أو من جهة جماعته, كما قال بذلك الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وأجمع عليه بقية علماء هذه البلاد. ورب الأسرة هو ولي أمرها؛ فلماذا يؤمر الطالب بتغيير المنكر بيده؟ وهذا غالباً يسبب المشاكل والقطيعة, فمن لا ينتصح باللين والإغلاظ؛ لا يستسلم بسهولة, وأذكر أن واحداً لما زار أمه وجد عند أبنائها تلفازاً في الغرفة خاصتهم فقام بتكسيره - إبراءً لذمته على حد قوله - فقام زوجها وتقدم بشكوى ضده وألزمه بدفع تعويض ثم منعه من دخول بيته مرة أخرى.
أخيراً أستطيع القول أن الظروف الأمنية التي مرت بها المملكة – جراء اعتناق الأفكار الضالة - جعلت أكثر الباحثين يلقون بجزء من اللائمة على مناهجنا الدراسية, وأشارت أصابع الاتهام إلى مقررات التربية الإسلامية, وعلى غرار ذلك قام قسم تطوير المناهج بوزارة التربية والتعليم بالتركيز عليها واضعاً إياها تحت المجهر, وفعلاً تم حذف بعض المواضيع التي لا تتناسب مع المرحلة العمرية للطلاب والتي قد تستغل بطريقة أو بأخرى لتمرير بعض الأفكار المتشددة ؛ ولكن وفي نفس الوقت تم الانشغال عن أو إغفال المقررات الأخرى ومنها مقررات اللغة العربية, والأخيرة هذه تحوي مواضيعاً تتناول علاقة الطالب بزميله وبأفراد المجتمع وتؤثر على سلوكه حاضراً ومستقبلاً, وبما أن من أهداف التعليم تقويم السلوك؛ إذاً لابد من التركيز على تعليم الطالب المهارات السلوكية التي تجعله قادراً على التعامل مع المخالفين له وقادراً على التكيف مع المغيرات المتسارعة من حوله, والأهم من ذلك تعليمه السلوك الذي يجعله محترماً من قبل الآخرين, لأنه سيكون داعية لهذا الدين القويم, ولا يخفى على كل ذي لب أن طريقة التعامل أما تكون منفرة أو مرغبة . وقبل أن أختم أود القول أن مناهجنا الدراسية وبشكل عام وبعد ما حصل لها من تغيير وتطوير – علما أن أغلبه لا يتجاوز التصميم والألوان - لا يعني أنها أصبحت مثالية فهي لازالت بحاجة إلى الكثير والكثير من إعادة النظر؛ فهل سيتم هذا في القريب العاجل؛ أم سننتظر حتى يقع الفأس بالرأس!؟.

الجمعة، 1 ديسمبر 2006

أحداث كلية اليمامة حصاد بعض مناهجنا؛ فلماذا نلوم الفاعلين ؟!!


أزعجتني كثيراً التصرفات التي حدثت من بعض الشباب - الذين يصنفون أنفسهم من الملتزمين - في مسرح كلية اليمامة ولكنني لم استغرب حدوث مثل هذه التصرفات… لأننا وببساطة نحصد الآن ما زرعناه في السنين الماضية
فإذا ربيت طفلك على الكذب فهل تستغرب منه الكذب ؟!! وهل تلومه عندما يكذب ؟
وإذا ربيت طفلك على السرقة؛ فماذا تنتظر منه أن يفعل عندما يكبر ؟
وقديماً قيل – يوم أن كانت التربية حكراً على الآباء - :
وينشأ ناشئ الفتيان منا …. على ما كان عوده أبوه
فإذا كان المنهج الدراسي قد علم هؤلاء على إزالة المنكر باليد بغض النظر عن من يحق له فعل ذلك بل والغضب أيضاً؛ لماذا نلومهم عندما غضبوا وفعلوا ما فعلو حين رؤيتهم وسماعهم ما حسبوه منكراً ؟
إذاً الاختلاف الآن معهم على تعريف المنكر وليس على آلية التغيير.
لان كل ما عملوه قد درسوه وأخذوه من الناهج.
وليس المنهج هو فقط محتوى المقرر الذي يدرسونه, ولكنه يشمل أيضاً التعليمات التي يتلقونها من معلميهم.
لذلك أرى أنه يجب مراجعة المناهج الدراسية بغية التصحيح، - إذا أردنا القضاء على مثل هذه المخالفات - وعدم الالتفات إلى من يقول أن مناهجنا سليمة ولا تحث على العنف. ومن يقول ذلك فهو إما بعيد كل البعد عن المناهج أو أنه يؤيد هذه الطريقة.

السبت، 9 سبتمبر 2006

مقترحات حول اليوم الوطني لبث روح المواطنة في الجيل الناشئ

بعد أيام قلائل ستحل علينا ذكرى عظيمة وغالية على كل مواطن ومواطنة في هذا البلد الأمين ألا وهي ذكرى اليوم الوطني الـ 76 والذي يوافق اليوم الأول من برج الميزان الموافق لـ 23 من سبتمبر من السنة الميلادية. ذكرى توحيد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه، لهذه الدولة الطيبة (المملكة العربية السعودية)، تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله بعد أن أمضى أكثر من ثلاثين عاماً على ظهر جواده يصول ويجول، من ملحمة إلى ملحمة، ومن بطولة إلى بطولة فحول أجزاء الجزيرة العربية إلى كيان كبير هو وطننا الحالي، وبدل القبائل المتناحرة إلى أمة واحدة هي الشعب السعودي.
وكان اليوم الفاصل هو الأول من برج الميزان عام 1350 هـ الذي شهد ولادة الدولة السعودية الثالثة، فانتهت حقبة الظلام والجهل والتخلف والتناحر، وبدأت حقبة النور والعلم والتقدم والتآلف وستستمر بمشيئة الواحد الأحد إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.وفي هذا المقال فإنني لن أسلط الضوء على مآثر الملك عبد العزيز رحمه الله، لأني لو أردت ذلك لاحتجت إلى بحر من المداد وأطنان لا تعد ولا تحصى من الورق، ولكني سوف أتناول جانباً مهماً من جوانب هذا الموضوع، فالكل يعلم أننا لم نكن نعطي اليوم الوطني حقه في السابق كما يجب - ربما بسبب بعض الحجج الواهية والتي لم تكن ترتكز على قاعدة قوية فيما تذهب إليه - فنشأ لدينا جيلٌ تنقص بعض أفراده الثقافة الوطنية وربما الانتماء الوجداني للوطن أيضاً. فقبل سنتين خلتا لو سألت السواد الأعظم من الناس عن اليوم الوطني لما حددوا لك في أي يوم يكون، ولكن الحصول على إجازة فيه غير الكثير، فكلهم الآن يعرفون، حتى غير الموظفين منهم. ولا يخفى على الجميع أن فراغ الروح الوطنية عامل حافز على تفاعل الأفكار التي تضر بالوطن، فالفئة الضالة التي تحاول أن تعبث بأمن وطننا وحاولت النيل من مقدراته يحلق بها جناحان: التطرف الديني وانعدام الروح الوطنية. وأما من غرست فيه محبة الوطن فلن يعبث به بأي حال من الأحوال.
ولبث روح المواطنة والوطنية في هذا الجيل فإني أرى أن هناك عدة نقاط حبذا لو تطبق ابتداء من السنة المقبلة - لأنها تحتاج إلى جهد كبير - وهي كالتالي:
1- أن تبدأ مظاهر الاحتفال باليوم الوطني من اليوم الأول من شهر سبتمبر، فتعقد الندوات وتقام المسابقات وتنظم البرامج التي تشتمل على الكلمات والأناشيد والعروض المسرحية والأوبريتات المعبرة عن هذه المناسبة وتنتهي في الرابع والعشرين من نفس الشهر.
2- أن تُخصص الإذاعة المدرسية للحديث عن الوطن ومكانته وأهميته وعن المؤسس لهذا الكيان العظيم وما قام ويقوم به أبناؤه من بعده من جهود جبارة لتحقيق أعلى رفاهية للمواطن وكذلك دورهم العظيم في إحلال الأمن والسلام الدوليين. وتقوم جماعة النشاط والفنية بتزيين جنبات المدارس بعبارات الحب والولاء تعلوها صورٌ للمؤسس وأبنائه القادة.
3- أن تقيم المحافظات والمراكز التابعة لها احتفالات بهذه المناسبة يشارك فيها جميع المواطنين صغاراً وكباراً رجالاً ونساءً مع مراعاة الخصوصية للنساء.
4- أن تكون خطب الجمع في شهر سبتمبر حول بيان أن الاحتفال باليوم الوطني ليس بدعة - لئلا يقع عامة الناس في حرج من دينهم فيمتنعوا عن حضور مثل هذه الاحتفالات أو المشاركة فيها اعتقاداً بتحريمها - فهو ليس عيداً خُص بنوع معين من العبادات كعيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الأسبوع، وإنما هو فرصة للتعبير عن حب الوطن كما أفتى بذلك الكثير من علماء الدين الأفاضل.
تلك هي النقاط التي أقترحها وقد اجتهدت - والمجتهد إن أصاب فمن فضل الله وإن أخطأ فمن نفسه والشيطان - في أن تكون شاملة لكل ما من شأنه أن يُعرف الجيل الجديد بوطنه فالجاهل بالشيء لا يقدر ثمنه، وأن هذا الوطن لم يصبح هكذا بالصدفة ولا بالجهد اليسير وإنما بتضحية وإقدام رجل كان مؤمناً عميق الإيمان برسالته، لم يهدأ له بال ولم يهن ولم يركن للدعة،بل بذل كل غال ونفيس وجاهد هو ومن معه من الرجال المخلصين، ليقيم شرع الله وينشر الأمن والعدل والعلم، ويرسي قواعد هذا البيت الكبير ذي الخير الوفير ليكمل أبناؤه البناء من بعده.
وفي الأخير أود أن أشير إلى أن المواطنة والوطنية ليستا فقط كلمات تقال أو شعارات تطلق ولكنهما الانتماء العضوي والولاء الروحي للوطن، بحيث نعيش فيه ويعيش فينا، نحافظ على وحدته وأمنه، وعلى مدخراته وثرواته، ونقدم مصلحته على المصلحة الخاصة، ولا يمكن تحقيقهما إلا ببث الروح الوطنية في جميع المناشط - بدون الاقتصار على وقت معين - وأخص بهذا المراكز الصيفية والمخيمات الكشفية التي تقيمها المدارس، والتركيز على شريحة الجيل الناشئ، وبيان ما لوطننا من أفضلية ومكانة خاصة لدى المسلمين وغير المسلمين، أليس هو البلد الذي اتخذ القرآن دستوراً والدين منهجاً؟ أليس هو مهبط الوحي وقبلة المسلمين؟ أليس هو من يبادر إلى مساعدة المحتاجين وإغاثة المنكوبين أينما كانوا ؟ ألا يستحق منا أن نفخر به ونحافظ عليه وندافع عنه؟! بلى وألف بلى.

الخميس، 16 فبراير 2006

كتيبات تدعو المعلمين إلى تحريض الطلبة على التشدد والانغلاق

كنت في أحد مطارات وطننا الغالي وفي صالة الانتظار للرحلة التي سوف تقلني مع جمع غفير من المسافرين، وعندما تأخرت عن موعدها المحدد وجدتها فرصة لأن ألقي نظرة على الكتب المعروضة في السلة أمامي - ففي المطارات دائما يوضع كل ما هو حديث الإصدار أو جديد الإنتاج ليعطي صورة مشرفة وانطباعاً جيداً عن البلد - فوقع نظري على كتيب يحمل رسائل للمعلمين والمعلمات ولأنني من الشريحة الموجهة لها هذه الرسالة، أردت أن أقرأ ما سطره لنا المؤلف - وكثير من زملائي المعلمين يميلون لقراءة ما عنون باسم مهنتهم لعلهم يجدون فيه ما يطور مهاراتهم أو يهديهم سبلا أفضل للتعامل مع الطلاب والمناهج - فبدأت بقراءة المقدمة لأحصل على تصور كامل عن فكرة هذا الكتيب.
في المقدمة بين المؤلف أن هذه رسالة يوجهها للمدرسين والمدرسات لمن جعلوا أنفسهم جنودا للعلم وأهله، لمن…، لمن…، إلى أن قال بالحرف الواحد ليخرجوا بإذن الله المدرس والقاضي والطبيب والصيدلي والعسكري كي تستغني الأمة الإسلامية عن المنحرفين، وبعد أن أنهى المقدمة ودخل في صلب الموضوع بين أن المدرس المتأثر بالغرب أو الشرق وما عندهم سيؤثر في الطلاب تأثيرا سيئا، وفي طيات كلامه عن المدرس والمسؤولية الملقاة على عاتقه بين أن من مسؤولية المدرس حماية الشباب- ويقصد الطلاب- من الشياطين وطرق الضلال قائلا ولا تترك هؤلاء الشباب إلى الشياطين يضلونهم عن طريق الإيمان بمختلف الطرق من نظريات علمية باطلة أو شبهات في الله… ثم خص أخونا هذا كل مدرس بنصائح تخصصية تتعلق بالمادة التي يدرسها، فلمدرس التربية الإسلامية نصائح ولمدرس اللغة الإنجليزية مثلها ولمدرس العلوم أخرى وهكذا.
ولأن الوقت قد لا يسعفني كي أقرأ كل ما يحتويه الكتيب، أخذت أقلب في صفحاته لأطلع على ما خص به مدرس العلوم - بحكم أن تخصصي كيمياء- لعلي أستفيد، فوجدت نصائحه لمدرس العلوم الطبيعية ومنها قوله:وبين لهم بطلان نظرية المادة لا تفنى ولا تستحدث ولا تخلق من العدم فإنها معارضة لعقيدتنا الصحيحة. فقلت في نفسي إذا كان هذا ما ينصحنا به، فبما ذا سينصح مدرس اللغة الإنجليزية؟ هل سيقول إنها لغة الكفار ومحرم تدريسها؟ أم ما ذا يا ترى؟ كنت أتساءل وأنا أقلب الصفحات أبحث عن إجابة لتساؤلي حتى وجدت ما أريد ويا للعجب!، فقد حذر المؤلف مدرس اللغة الإنجليزية من استخدام تحياتهم - ويقصد الكفار- وبعض كلماتهم بدون حاجة فهذا مذموم شرعا على حد قوله، بل وزاد على ذلك أن طلب منه أن يوضح للطلاب ما ظاهره عسل وباطنه السم قائلا وبين لهم أن أخلاقهم من صدق وإخلاص في العمل ودقة في المواعيد هي أخلاق تجارية مصلحية كحياتهم المادية الحيوانية…وقال أيضاوعليك أن تحذرهم من السفر لبلاد الكفار، واكشف ما عندهم من انحراف كي لا يحبهم الطلاب.
أما بالنسبة للتربية الرياضية، ففي الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات المطالبة بإدخالها على مدارس البنات لما يعانينه من خمول جسدي وفكري بسبب قلة الحركة التي فرضتها عليهن أدوات العصر الحديث ؛ومن سمنة زائدة؛ وطاقة مكبوتة؛ أدت إلى اشتعال في العاطفة بالتالي صرفها في سلوكيات سيئة في أوساط البنات؛ نجد أن المؤلف قد قلل من شأنها خصوصا كرة القدم وحرض مدرسها على أن يخفف من تحمس الطلاب لها، وأن يوجههم إلى البديل من الرياضات الأخرى التي تنمي العقل وتقوي البدن، ونبه المدرس إلى أن يبين للطلاب أن الرياضة من مخططات اليهود واستدل بأنهم يقولون (سوف نشغل العالم بالرياضة ونوجد النزاع بين الدول حتى نتمكن من السيطرة على العالم).في حين دعا المعلم إلى ترغيب الطلاب في رياضة السباحة والرماية وركوب الخيل وهذا لا بأس به - إذا أحسن النية- ولكن هل من الممكن أن تتحول مدارسنا إلى إسطبلات للخيول أو أحواض للماء أو ميادين للرماية؟ طبعا لا.
إنني لم أملك وأنا أقرأ تلك الكلمات إلا أن سحبت كمية من الأكسجين المحملة بذرات الماء في ذلك اليوم الماطر وحشرتها داخل رئتي لبضعة عشر ثانية؛ ثم سمحت لها بالخروج شيئا فشيئا؛ لعل ذلك يمنحني نوعا من الاسترخاء؛ وأسندت ظهري للكرسي الذي كنت جالسا عليه وأغمضت عيني، فتراءت لي صورة ذلك الطالب الذي كان في زاوية الفصل عندما وقف رافعا يده ومسواكه في فمه قائلا بلهجة سوقية غاضبة كيف تشرح لنا قانون حفظ الطاقة السبوع الماضي ياستاد وهو ما هو صحيح وحرام وتكذيب لله, وتذكرت اعتراض طالب آخر على استخدام بعض المصطلحات الإنجليزية في مادة الكيمياء وأن هذا لا يجوز مادام هناك مصطلح يقابله باللغة العربية. فازدت توترا وأعدت الكتيب إلى مكانه وأنا أقول: لا يفترض بك أن تكون موجوداً فضلا عن أن تكون هنا. أيعقل أن نقرأ مثل هذا الكلام في عصرنا هذا عصر الثورة التكنولوجية، عصر الإنسان الآلي، والرقائق الإلكترونية، والألياف البصرية. ولوقيل لي إنه يوجد في وقتنا الحالي من الأميين من يشكك باختراع لم يره؛ أو نظرية غريبة سمع بها؛ فلن أصدق لما نعايشه اليوم من طفرة علمية هائلة نتج عنها ما لم يكن تتخيله العقول؛ وما وقف له العالم أجمع بين مؤيد ومعارض كالاستنساخ مثلا؛ ولكن للأسف وجدت أن هناك من المحسوب على المثقفين المتعلمين من يشكك بمسلمات اهترأت من كثرة شرحها نظريا وتطبيقها عمليا؛إنه الجهل المركب.
ولوعدنا إلى ما قاله المؤلف في بداية الكتيب وسألناه عما إذا كان هناك مدرسون وقضاة وأطباء وصيادلة وعسكر منحرفون فبماذا سيجيب؟وإذا كان يقصد غير المسلمين فلا يوجد مدرس أو قاضي غير مسلم.! وحتى الطبيب والصيدلي الغير مسلم لا ينطبق عليه تعريف الانحراف والذي عرف على أنه السلوك السيئ أو الذميم والذي يعود على الشخص بالضرر المباشر.وهل يعلم صاحبنا أن أكثر أطبائنا ودكاترة جامعاتنا ومهندسينا الذين كان ولا يزال لهم الدور الفعال في تنمية وتطوير مملكتنا الغالية قد تخرجوا على أيدي من سماهم بالمنحرفين؛ ولا أظن سماحة السيخ الفاضل عبد المحسن العبيكان –والذي رأى أن لا نقول كفار ولكن نقول غير مسلمين- سيرضى بهذه التسمية المشحونة بالحقد والكراهية؛ ومثلها الحكم على أن التأثر– والذي لم يوضح نوعه- بالشرق أو الغرب له تأثير سيء. ولو سألنا المؤلف هل رفع العلم فوق المدارس والنشيد والوطني الصباحي هما من أسباب التأثر بالشرق أو الغرب؟ لا ندري ماذا تكون إجابته. ولا يفوتني أن اذكر صاحب هذا الكتيب – أصلحه الرب- أن طرق الضلال لا تبدأ من النظريات العلمية؛ وأي نظرية باطلة لا تنعت بالعلمية ولا تندرج تحت المسمي العلمي؛ بل إنها للجهل قاب قوسين أو أدنى.
إنني أجزم كل الجزم بأن صاحبنا ليس لديه أدنى فكرة عن قانون حفظ الطاقة ولم يكلف نفسه ولو بقراءة أسطر قليلة عن النظرية التي كذبها والدليل خلطه بين قانون حفظ الطاقة وقانون حفظ المادة، ولو فعل لما قال تلك الترهات، وليته ترك الفتوى لأصحابها فإن ذلك أسلم له. ومن المؤكد أيضا أنه لم يسمع بنظرية تمدد الزمن وإلا لنصحنا بما يمليه عليه عقله والذي آمل ألا يكون متأثرا بالذين حاربوا البرقية والهاتف في بداية ظهورها؛ وحرموا دراسة البنات، وجرموا كل من يلبس الساعة، أو يستمع إلى الراديو. وإنني أستغرب كيف عرف أن الأخلاق الحسنة عند غير المسلمين هي أخلاق تجارية بغرض المصلحة، فهل شق عن صدورهم ليعلم ما في قلوبهم؟ والأغرب من ذلك حثه للمدرس على أن يحذر الطلاب من السفر للخارج خوفا من أن يقعوا في حب الكفار، فلنحمد الله على أن الأمر ليس بيده وإلا لأحاط البلاد بسياج شائك ولأوقف البعثات للخارج، ولعزلنا عن العالم؛ حتى لو كانت مصلحتنا تحتم علينا الذهاب إلى هناك.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن، لماذا لا يسحب هذا الكتاب وهو لا يدعو إلى الحقد والكراهية والانغلاق وإقصاء الغير وحسب، بل ويكذب ما خلص إليه العلماء من حقائق علمية، بعد أن أمضوا جل وقتهم وبذلوا عظيم جهدهم في البحث والتقصي والإثبات. بل إن عواقبه خطيرة، فهو يدعو إلى تقديم بعض المناهج خلاف الهدف المؤلفة من أجله؛ ويدعو إلى الجهل أكثر مما يدعو إلى غيره، ومن المحتمل جدا أن يتأثر به بعض المدرسين لأن المدرس يظل متلقياً وملقناً.وفي الوقت الذي تؤكد فيه الدولة على أهمية دور المعلم والمعلمة في محاربة التطرف الفكري والتشدد الديني نجد أن الكتيبات التي تدعو إلى التشدد والانغلاق ما تزال تطبع وتوزع أو تباع، فهل من إعادة نظر في مكتباتنا وما تحويه؟